ابن كثير
7
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
يا رسول اللّه ، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ، ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك ، فتشاجروا ونزل القرآن يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، قال ونزل القرآن وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ [ الأنفال : 41 ] إلى آخر الآية . وقال الإمام أبو عبيد اللّه القاسم بن سلام ، رحمه اللّه ، في كتاب الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها ، أما الأنفال فهي المغانم وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب ، فكانت الأنفال الأولى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول اللّه تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، فقسمها يوم بدر على ما أراه اللّه من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد ، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس فنسخت الأولى . قلت هكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس سواء ، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي . وقال ابن زيد : ليست منسوخة بل هي محكمة . قال أبو عبيد وفي ذلك آثار ، والأنفال أصلها جماع الغنائم ، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة ، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله فاعل تفضلا ، من غير أن يجب ذلك عليه ، فذلك النفل الذي أحله اللّه للمؤمنين من أموال عدوهم ، وإنما هو شيء خصهم اللّه به تطولا منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم ، فنفلها اللّه تعالى هذه الأمة ، فهذا أصل النفل . قلت : شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي - فذكر الحديث إلى أن قال - وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي » « 1 » . وذكر تمام الحديث ، ثم قال أبو عبيد : ولهذا سمى ما جعل الإمام للمقاتلة نفلا ، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام والنكاية في العدو . وفي النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى [ فإحداهن ] في النفل لا خمس فيه وذلك السلب ، [ والثانية ] النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب ، فتأتي بالغنائم ، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس ، [ والثالثة ] في النفل من الخمس نفسه ، وهو أن تحاز الغنيمة كلها ، ثم تخمس فإذا صار الخمس في يدي الإمام ، نفل منه على قدر ما يرى . [ والرابعة ] في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء ، وهو أن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التيمم باب 1 ، والخمس باب 8 ، ومسلم في المساجد حديث 3 ، 5 ، والترمذي في السير باب 29 .